Jumat, 08 Januari 2010

اعجاز القران لغويا, علميّا وتشريعيا

الباب الاوّل

 

أ. المقدّمة

الحمد لله حمدا يبلغني رضاه, والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمّد خير من اصطفاه, وعلى سائر أنبيائه ورسله وأله الطيّبين وصحبه المخلصين الصادقين, وعلى من اتبع هداه الى يوم الدين. امّا بعد :  

فإن القران الحكيم هو اية الله العظمى, ومعجزته الكبرى, وحجّته البالغة, ونوره الساطع, ودستور المسلمين الدائم, ومصدر الهداية والرشاد, وبه انقذ الله الدنيا المعذّبة من حياة التيه والضياع الى السعادة المثلى, التي لا يجدها الانسان الاّ بهذا الدين. وكانت معجزة القران معجزة العقل البشري في أرقى تطوّرات نضجه ونموّه و فيما نبغ فيه قومه خارقة لما ألّفوه ليتحقّق بعجزهم عنها ايمانهم بأنها من قوى السماء حيث انّ القران تحدّى العرب بالمراحل ولكنهم قد عجزوا عن معارضته مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة. ومثل هذا لا يكون الاّ معجزا.

و هكذا كتب الله لمعجزة الاسلام الخلود, فضعفت القدرة الانسانية مع تراخي الزمن وتقدّم العلم عن معارضتها

انطلاقا من جوانب اعجاز القران, نحدّد بحثنا في هذه الورقة فيما يتعلّق باعجاز القران من الناحية اللغوية, العلميّة و التشريعيّة مع أنّ هناك نواحي الاعجاز القراني الاخرى ليكون هذا البحث سهل الفهم وغزارة النفع بيننا مع الاعتراف بانّ هذه الورقة لا تخلو عن النقائص والاخطاء.

 

ب.أسئلة البحث

 

أمّا أسئلة البحث في هذه الورقة فكما يلي :  

1. ما هو تعريف الاعجاز

2. ما هو اعجاز القران اللغوي

3. ما هو اعجاز القران العلمي

4. ما هو اعجاز القران التشريعي

 

ج. أهداف البحث

أمّا أهداف البحث فكما يلي :

1. لمعرفة تعريف الاعجاز

2. لمعرفة اعجاز القران اللغوي

3. لمعرفة اعجاز القران العلمي

4. لمعرفة اعجاز القران التشريعي

 

الباب الثاني

 

البحث

أ. تعريف الاعجاز

        الاعجاز لغة اثبات العجز, والعجز في التعارف : اسم للقصور عن فعل الشيئ وهو ضدّ القدرة واذا ثبت الاعجاز ظهرت قدرة المعجز. وامّا المراد بالاعجاز هنا اظهار صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في دعوى الرسالة باظهار عجز العرب عن معارضته في معجزته الخالدة وهي  - القران الكريم – وعجز الاجيال بعدهم و  أمّا اصطلاحا فأمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة[1]. ولا تتحقّق هذه المعجزة الاّ اذا توافرت الأمور الاتية فيها :

1.    أن تكون جارية على غير ما اعتاده الناس وألّفوه من السنن الكونية والظواهر الطبيعية. فلم يألف الناس ان تتحوّل العصا الى حية, ولا يعجز البلغاء عن الاتيان بمثل كلام بليغ.

2.    أن تكون مقرونة بتحدّي المكذبين أن يأتوا بمثلها.

3.    أن تكون سالمة عن المعارضة, فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها قولا أو عملا, فلو أتى بمثلها لا تكون معجزة.

4.    أن تكون المعجزة من الله وحده.

5.    أن تظهر على يد نبيّ.

6.    أن تكون على وفق ما يدّعيه النبيّ, لا مخالفة لدعوته[2].

لقد كانت المعجزات التي أجراها الله على أيدي أنبيائه ورسله من جنس ما برعت به أقوامهم, لتكون الحجّة ملزمة لهم. وحين أرسل الله محمّدا صلّى الله عليه وسلّم كانت الفصاحة والبلاغة العربية قد وصلت أوجها, فجعل الله معجزة محمّد صلّى الله عليه وسلّم القران الكريم, فقد ثبت أن الرسول تحدّى العرب بالقران على مراحل ثلاث :

1.    تحداهم بالقران كله في أسلوب عام يتناولهم غيرهم من الانس والجنّ تحدّيا يظهر على طاقتهم مجتمعين, بقوله تعالى  ( @è% ÈûÈõ©9 ÏMyèyJtGô_$# ß§RM}$# `Éfø9$#ur #n?tã br& (#qè?ù'tƒ È@÷VÏJÎ/ #x»yd Èb#uäöà)ø9$# Ÿw tbqè?ù'tƒ ¾Ï&Î#÷WÏJÎ/ öqs9ur šc%x. öNåkÝÕ÷èt/ <Ù÷èt7Ï9 #ZŽÎgsß . [3]

2.    ثمّ تحدّاهم بعشر سور منه في قوله تعالى (÷Pr& šcqä9qà)tƒ çm1uŽtIøù$# ( ö@è% (#qè?ù'sù ÎŽô³yèÎ/ 9uqß ¾Ï&Î#÷VÏiB ;M»tƒuŽtIøÿãB (#qãã÷Š$#ur Ç`tB OçF÷èsÜtGó$# `ÏiB Èbrߊ «!$# bÎ) óOçFZä. tûüÏ%Ï»|¹ .   óO©9Î*sù (#qç7ŠÉftFó¡o öNä3s9 (#þqßJn=÷æ$$sù !$yJ¯Rr& tAÌRé& ÄNù=ÏèÎ/ «!$# br&ur Hw tm»s9Î) žwÎ) uqèd ( ö@ygsù OçFRr& šcqßJÎ=ó¡B. [4]   

3.    ثمّ تحدّاهم بسورة واحدة منه في قوله تعالى (bÎ)ur öNçFZà2 Îû 5=÷ƒu $£JÏiB $uZø9¨tR 4n?tã $tRÏö7tã (#qè?ù'sù ;ouqÝ¡Î/ `ÏiB ¾Ï&Î#÷VÏiB (#qãã÷Š$#ur Nä.uä!#yygä© `ÏiB Èbrߊ «!$# cÎ) öNçFZä. tûüÏ%Ï»|¹ [5]

ب. اعجاز القران اللغويّ

 

الإعجاز اللغوي للقرآن هو الإعجاز الرئيسي للقرآن, كل نبي وكل رسول قد أوتي من الكرامات ومن المعجزات ما يشهد له بالنبوة أو بالرسالة، وكانت تلك المعجزات مما تميز فيه أهل عصره. فسيدنا موسى عليه السلام جاء في زمن كان السحر قد بلغ فيه شأواً عظيماً، فأعطاه الله تعالى من العلم ما أبطل به سحر السحرة. وسيدنا عيسى عليه السلام جاء في زمن كان الطب قد بلغ فيه مبلغاً عظيماً، فأعطاه الله تعالى من العلم ما تفوق به على طب أطباء عصره. وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جاء في زمن كانت الميزة الرئيسية لأهل الجزيرة العربية فيه هي الفصاحة والبلاغة وحسن البيان. فجاء القرآن يتحدى العرب ـ وهم في هذه القمة من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ أن يأتوا بقرآن مثله.

انطلاقا من ذالك, فان الاعجاز القراني اللغوي, له خصائص  في أساليب القرآن الكريم, منها :

1. مسحة القرآن اللفظية

أ. جماله الصوتي : إتساق حركاته وسكناته, ومداته وغناته إتساقاً عجيباً لا يرقي إليه أي كلام أخر منظوم أو منثور. هذا الجمال الصوتي أسر الأذان العربية أيام نزول القرآن فوصفه الوليد بن المغيرة بأنه شعر ولكن سرعان ماأدرك خطأه فقال وماهو هو بالشعر إنه سحر[6].

ب.جماله اللغوي : ترتيب حروفه وكلماته ..إنك لو إستمعت إلي حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة تبعاً لعلم التجويد لشعرت بلذة جديدة . فحرف يظهر وحرف يهمس وحرف يجهر.

2. تذوق العامة والخاصة له:

إذا قرئ علي العامة أحسوا بحلاوته وفهموا منه علي قدر إستعدادهم , وإذا قرئ علي الخاصة يتذوقون حلاوته ويفهمون منه أكثر من العامة.

3. إرضاؤه للعقل والعاطفة معاً :

الإستدلال العقلي علي البعث والإعادة وإمتاع العاطفة في الآية "ومن آياته أنك تري الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتي إنه علي كل شئ قدير"

ويأتي بالعظات البالغات ويدعو إلي التمسك بالعفة والشرف في قصة سيدنا يوسف "وراودته التي هو في بيتها وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"

4. الربط المحكم بين كلماته وآياته وسوره :

ترابط واضح بين كلمات الجملة الواحدة, وبين جمل السورة الواحدة رغم الإختلاف في الغرض مابين تشريع إلي جدل إلي قصص إلي وصف

5. براعته في تصريف الكلام :

يعرض المعني بطرق مختلفة وألفاظ مختلفة مثل طلب الفعل بصيغة الأمر أو وصفه بالفرضية أو أنه واجب علي المكلفين ومثل النهي عن الفعل بلفظ "لا" أو وصفه بالحرمة أو الإتيان بمادة النهي.

6. الإيجاز في اللفظ مع الوفاء بالمعني :

الآيات تتسم بالقصر مع وضوح المعني وجلاله " آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"

 

ج. اعجاز القران العلمي

 

        يخطىء كثير من الناس حين يحرصون على أن يتضمن القرآن الكريم كل نظرية علمية، وكلما ظهرت نظرية جديدة التمسوا لها محملا في آية يتأولونها بما يوافق هذه النظرية.

ومنشأ الخطأ في هذا أن العلوم تتجدد نظرياتها مع الزمن تبعاً لسنة التقدم، فلا تزال في نقص دائم يكتنفه الغموض أحيانا، والخطأ أحياناً أخرى، وتستمر هكذا حتى تقترب من الصواب ، وتصل إلى درجة اليقين ، وأي نظرية منها تبدأ بالجدس والتخمين وتخضع للتجربة حتى يثبت يقينها، أو يتضح زيفها وخطؤها، ولهذا كانت عرضة للتبديل، وكثير من القواعد العلمية التى ظن الناس أنها أصبحت من المسلمات تتزعزع بعد ثبوت، وتتقوض بعد رسوخ، ثم يستأنف الباحثون تجاربهم فيها مرة أخرى.

        واللذين يفسرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كل مسألة تظهر في أفق الحياة العلمية، يسيؤن إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا ، لأن هذه المسائل التى تخضع لسنة التقدم تتبدل ، وقد تتقوض من أساسها وتبطل ، فإذا فسرنا القرآن بها  تعرضنا في تفسيره للنقائض كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم، أو يقين يبطل التخمين.

        والقرآن الكريم كتاب عقيدة و هداية، يخاطب الضمير فيحيي فيه عوامل النمو والارتقاء، وبواعث الخير و الفضيلة.

        وإعجازه العلمي ليس في اشتماله على النظريات العلمية التى تتجدد وتتبدّل وتكون ثمرة للجهد البشري في البحث والنظر، وإنما في حثه على التفكير، فهو يحث الإنسان على النظر في الكون وتدبره ، ولا يشل حركة العقل في تفكيره ، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وليس كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القرآن.

        فأي مسألة من مسائل العلم، أو قاعدة من قواعده، يثبت رسوخها، ويتبين يقينها، تكون محققة لما حث عليه القرآن من تفكير سليم، ولا تتعارض معه بحال من الأحوال، وقد تقدمت العلوم وكثرت مسائلها ولم يتعارض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن، وهذا وحده إعجاز.

        والقرآن الكريم يجعل التفكير السديد والنظر الصائب في الكون وما فيه أعظم وسيلة من وسائل الإيمان بالله.

        إنه يحث المسلم على التفكير في مخلوقات الله في السماء والأرض. (žcÎ) Îû È,ù=yz ÏNºuq»yJ¡¡9$# ÇÚöF{$#ur É#»n=ÏF÷z$#ur È@øŠ©9$# Í$pk¨]9$#ur ;M»tƒUy Í<'rT[{ É=»t6ø9F{$# ÇÊÒÉÈ   tûïÏ%©!$# tbrãä.õtƒ ©!$# $VJ»uŠÏ% #YŠqãèè%ur 4n?tãur öNÎgÎ/qãZã_ tbr㍤6xÿtGtƒur Îû È,ù=yz ÏNºuq»uK¡¡9$# ÇÚöF{$#ur $uZ­/u $tB |Mø)n=yz #x»yd WxÏÜ»t/ y7oY»ysö6ß $oYÉ)sù z>#xtã Í$¨Z9$# ÇÊÒÊÈ  (190، 191 – آل عمران)

        ويحث على التفكير في نفسه، وفي الأرض التى يعمرها، وفي الطبيعة التى تحيط به (öNs9urr& (#r㍩3xÿtGtƒ þÎû NÍkŦàÿRr& 3 $¨B t,n=y{ ª!$# ÏNºuq»uK¡¡9$# uÚöF{$#ur $tBur !$yJåks]øŠt/ žwÎ) Èd,ysø9$$Î/ 9@y_r&ur wK|¡B 3 ¨bÎ)ur #ZŽÏVx. z`ÏiB Ĩ$¨Z9$# Ç!$s)Î=Î/ öNÎgÎn/u tbrãÏÿ»s3s9    ( 8  - الروم)

(Îûur ÇÚöF{$# ×M»tƒ#uä tûüÏZÏ%qçHø>Ïj9 ÇËÉÈ   þÎûur ö/ä3Å¡àÿRr& 4 Ÿxsùr& tbrçŽÅÇö7è? ÇËÊÈ 20،21- الذاريات)

(Ÿxsùr& tbrãÝàYtƒ n<Î) È@Î/M}$# y#øŸ2 ôMs)Î=äz ÇÊÐÈ   n<Î)ur Ïä!$uK¡¡9$# y#øŸ2 ôMyèÏùâ ÇÊÑÈ   n<Î)ur ÉA$t6Ågø:$# y#øx. ôMt6ÅÁçR ÇÊÒÈ   n<Î)ur ÇÚöF{$# y#øx. ôMysÏÜß ( 17-20-الغاشية)

        ويثير فيه الحس العلمي للتفكير والفهم والتعقل.

( šÏ9ºxx. ßûÎiüt7ムª!$# ãNä3s9 ÏM»tƒFy$# öNà6¯=yès9 tbr㍩3xÿtFs? ÇËÊÒÈ 219- البقرة)

        ويجمع الله علوم الفلك والنبات وطبقات الأرض والحيوان ويجعل ذلك من بواعث خشيته   ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء (  27-28-فاطر)

        وهكذا فإن إعجاز القرآن العلمي في أنه يحث المسلمين على التفكير. ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويدعوهم إلى ولوجها ، والتقدم فيها، وقبول كل جديد راسخ من العلم.

        وفي القرآن مع هذا إشارات علمية سيقت مساق الهداية. فالتلقيح في النبات. ذاتي وخلطي: والذاتي : ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث، والخلطي : هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلا عن عضو التأنيث كالنخيل، فيكون التلقيح بالنقل. ومن وسائل ذلك الرياح، وجاء في هذا قول الله تعالى ( وأرسلنا الرياح لواقح 22- الحجر)

        "والأوكسجين" ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا، فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بصيق  الصدر وصعوبة التنفس، والله تعالى يقول (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء 125- الأنعام)

        وقد ساد الاعتقاد بأن الذرة هي الجزء الذي لا يقبل التجزئة : وفي القرآن (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين 61-يونس) ولا أصغر من الذرة سوى تحطيم الذرة.

        وفي علم الأجنة جاء قوله تعالى (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب 5-7-الطارق) وقوله (خلق الإنسان من علق 2-العلق) وقوله (يأيها الناس إن كنتم في ريب من  البعث فإن خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم  طفلا 6- الحج)

وفي وحدة الكون وحاجة الحياة إلى عنصر االماء يقول تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقنا هما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون؟ 30- الأنبياء)

        تلك الإشارات العلمية و نظائرها في القرآن جاءت في سياق الهداية الإلهية، وللعقل البشري أن يبحث فيها ويتدبر.

        يقول الأستاذ سيد قطب في تفسير قوله تعالى (يسألونك عن الأهلة ، قل هي مواقيت للناس والحج 189-البقرة) " اتجه الجواب إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري ، وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدثهم  عن الدورة الفلكية للقمر، وكيف تتم ؟ وهي داخلة في مدلول السؤال ... إن القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية ، ولم يجىء ليكون كتاب علم فلكي ، أو كيماوي أو طبي ... كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم ، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يلتمسوا مخالفاته لهذه العلوم.

        إن كلت المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب و وظيفته ومجال عمله. إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية ، وإن وظيفته أن ينشىء تصورا عاما للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه ، وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاما للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته ومن بينها طاقته العقلية ، التى تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة ،  وإطلاق المجال لها لتعمل – بالبحث العلمي – في الحدود المتاحة للإنسان ، وبالتجريب والتطبيق ، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ، ليست نهائية ولا ومطلقة. بطبيعة الحال

        وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه ، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه ، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها ... كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه.....

        إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة ... أما ما يصل إليه البحث الإنساني – أيا كانت الأدوات المتاحة له – فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة ، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها ، فمن الخطأ المنهجي – بحكم المنهج العلمي الإنسان ذاته – أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية ، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري.

        هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية ، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات الفروض التى تسمى "علمية" .... فهي قابلة دائماً للتغيير والتعديل والنقص والإضافة ، بل قابلة لأن تنقلب رأساً على عقب ، بظهور أداة كشف جديدة ، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة.

        وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة – أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا – تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي ، كما أنها تنطوي على معان ثلاثة ، كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم.

        الأولى : هي الهزيمة الداخلية التى تخيل لبعض الناس ، أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم ، أو الاستدلال له من العلم ، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه , ونهائي في حقائقه ، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق ، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.

        والثانية : سوء فهم طبيعة القرآن و وظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق – بقدر ما تسمح طبيعة الإنسانرالنسبية – مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي ، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ، بل يصادفه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته ، نواميسه التى تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق ، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.

        والثالثة : هي التأويل المستمر – مع التمحل والتكليف – لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التى لا يثبت  ولاتستقر ، وكل يوم يجد فيها جديد" (1)  

د. اعجاز القران التشريعي

 

إذا كان الغربيون يتباهون بأن حضارتهم كانت أول حضارة سبقت و أعلنت حقوق الإنسان رسمياً في مختلف دولها لأول مرة في التاريخ و يتفاخرون بأنهم لأول مرة في التاريخ و يتفاخرون بأنهم في القرن العشرين وضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و يعتبرونه النموذج المثالي لهذه الحقوق فإنهم نسوا أو تناسوا أن القرآن الكريم قد قرر هذه الحقوق منذ أربعة عشر قرناً بأسمى مبدأ للبشرية جمعاء يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).  الخطاب في هذه الآية موجه للناس جميعاً و أنهم خلقوا على اختلاف أجناسهم و ألوانهم و دياناتهم من رجل واحد و امرأة واحدة و أنهم متساوون في الميلاد و الأصل ، والقرآن بهذه الآية يركز على وحدة الجنس البشري و لا فضل لأحد إلا بالتقوى .

وأهمّ المبادئ التي جاءت الشريعة الإسلامية هي ما يلي:

1.  مبدأ التوحيد: فقد جمع الناس إله واحد. قال تعالى: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله ".

2. مبدأ الاتصال المباشر بالله دون وساطة فقال سبحانه تعالى: " و قال ربكم ادعوني أستجب لكم " و قوله جل شأنه :" فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " .

3 . مبدأ التخاطب مع العقل خصوصاً فيما يتعلق بأمور الدنيا و بمعرفة الخالق لقوله تعالى: " فاعتبروا يا أولي الأبصار " و قوله سبحانه: " أفلا تعقلون ؟ " و يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما يرتفع العباد في الدرجات عند ربهم على قدر عقولهم "

4.  مبدأ إحاطة العقيدة بالأخلاق الفاضلة لقوله تعالى : " و عباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هوناً و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً . "

5.  مبدأ التآخي بين الدين و الدنيا في التشريعفقد جاءت أحكامه بأمور الدين و الدنيا و دعا إليهما مصداقاً لقوله تعالى : " و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا " .

6.  مبدأ المساواة و العدالة بين الناس جميعاً لقوله تعالى : " إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" و قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنته : " أعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ".

7.  مبدأ الأمر بالمعروف  و النهي عن المنكرو هو في الحقيقة دستور لجميع نواحي الإصلاح

8.  مبدأ الشورى لقوله تعالى : " و شاورهم في الأمر ".

9.  مبدأ التسامح، وهو من أسمى و أهم ما يعرف اليوم بمبدأ التعايش السلمي .

10. مبدأ الحرية لقوله تعالى : " لا إكراه في الدين"

11. مبدأ التكافل الاجتماعي فقد جعل الله الزكاة فيها حق الفقير في مال الغني و ليست تفضلاً من الأغنياء على الفقراء.

و هذه المبادئ تدل على متانة بناء التشريع الإسلامي و قوة أركانه و صلاحيته للأحكام في كل زمان و مكان بين جميع الأجناس، و يدل على ذلك أن الأمة الإسلامية ازدهرت و قويت شوكتها حينما كانت تخضع في جميع شؤنها للشرع الإسلامي ، و أنها ضعفت و تفككت حينما انصرفوا عن شريعته و جمد الفقهاء و ركنوا إلى التقليد و حاولوا أن يخضعوا التشريع لأهوائهم و شهواتهم و أدى ذلك على الاستعانة بالقوانين الوضعية على اعتبار أن الفقه الإسلامي لم يعد يتفق مع التطورات العالمية و ما تقضيه المدنية الحديثة من مجاراة الدول القوية الغنية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

الاختتام

        بعون الله قد تمّ هذا البحث, فيمكن للباحث ان يستخلص فيما سبق بيانه , وكانت الخلاصة المستفادة كما يلي :

1.   انّ المعجزات التي أجراها الله على أيدي أنبيائه ورسله من جنس ما برعت به أقوامهم, لتكون الحجّة ملزمة لهم. وحين أرسل الله محمّدا صلّى الله عليه وسلّم كانت الفصاحة والبلاغة العربية قد وصلت أوجها, فجعل الله معجزة محمّد صلّى الله عليه وسلّم القران الكريم.

2.   انّ الإعجاز اللغوي للقرآن هو الإعجاز الرئيسي, حيث انه يشتمل الخصائص في أساليبه وهي :

جماله الصوتي, جماله اللغوي, تذوق العامة والخاصة له , إرضاؤه للعقل والعاطفة معاً, الربط المحكم بين كلماته وآياته وسوره, براعته في تصريف الكلام, الإيجاز في اللفظ مع الوفاء بالمعني.

3.    انّ الاعجاز القراني العلمي ليس يهدف ويركّز على النظريات العلمية التي تتجدّد وتتبدّل وتكون ثمرة للجهد البشري في البحث والنظر, وانما يحثّ على التفكير السديد والنظر الصائب في الكون وما فيه أعظم وسيلة من وسائل الايمان بالله. 

4.    انّ اعجاز القران التشريعي يهدف الى مصالح العباد. وممّا يلي أهمّ المبادئ التي جاءت بها  الشريعة الإسلامية : مبدأ التوحيد, مبدأ الاتصال المباشر بالله دون وساطة, مبدأ التخاطب مع العقل خصوصاً فيما يتعلق بأمور الدنيا و بمعرفة الخالق, مبدأ إحاطة العقيدة بالأخلاق الفاضلة, .  مبدأ التآخي بين الدين و الدنيا في التشريعفقد جاءت أحكامه بأمور الدين و الدنيا, مبدأ المساواة و العدالة بين الناس, .  مبدأ الأمر بالمعروف  و النهي عن المنكر,  مبدأ الشورى, .  مبدأ التسامح, . مبدأ الحرية, مبدأ التكافل الاجتماعي فقد جعل الله الزكاة فيها حق الفقير في مال الغني و ليست تفضلاً من الأغنياء على الفقراء.

 

 

 

 

المراجع

 

القطان, منّاع.   مباحث في علوم القران  الرياض, منشورات العصر الحديث, 1973

إسماعيل إبراهيم, محمد.  القرآن و إعجازه التشريعي   

موقع الانترنت : موسوعة الاعجاز العلمي في القران والسنة ( www.    a.net

الباقلاني : اعجاز القران

 

الطائي, محمّد باسل, مقالات الاعجاز العلميّ للقران في الميزان, جامعة اليرموك

 

عبد الرحمن ابن محمّد ابن علي الهرفي,  تيسير العزيز المنّان في بيان اعجاز القران

 

 



الرياض, منشورات العصر الحديث, 1973 ص : 258  منّاع القطان, مباحث في علوم القران, [1]

  ابراهيم النعمة, علوم القران, الطبعة الثانية, 2008 , ص : 67[2]

  سورة الاسراء : 88[3]

 سورة هود : 13-14[4]

  سورة البقرة : 23[5]

6 موسوعة الاعجاز العلمي في القران والسنة ( موقع الانترنت : www.55 a.net (