بعض التراكيب اللغوية الغامضة
الباب الاوّل
المقدّمة
اللغة ميزة من مزايا الانسان يمتاز بها عن سائر المخلوقات وهبة من هبات الله سبحان الله وتعالى. ان الانسان استطاع أن يفعل الكثير بواسطة اللغة. لولا اللغة, لما كان علم ولا تعليم ولا مدارس ولا جامعات. لولا اللغة, لما كان هناك اذاعة ولا تلفزيون ولا برامج. فمن جوانب مزايا اللغة, وجدنا الالتباس او الغموض حينما نقرأ بعض الكتب حيث نتحيّر في تعيين المعنى المقصود من قبل الكاتب رغم اننا نعرف معنى كل كلمة فيها. مع ذالك أشارت المعاجم العربية القديمة إلى الغموض من خلال استخداماته اللغوية المختلفة، فالغموض في اللغة مصدر من غمض (بفتح الميم وضمها) وكل ما لم يصل إليك واضحاً فهو غامض، ولذلك فالغامض من الكلام خلاف الواضح، كما يقال للرجل الجيد الرأي: قد اغمض النظر. والمسألة الغامضة: هي المسألة التي فيها دقة ونظر. ومعنى غامض: لطيف[1]. كمــا يحمــل مصطـلح الغموض (Ambiguty) في المعــاجم الإنجليزية المعاصرة معنى اللــغة المجازية (Figurative Language) أو تعدد احتمالات المعنى، تلك اللغة التي تمثل المستوى الفني والجمالي المتصل بالدلالات والرموز المرتبطة بالأعمال الابداعية كالشعر مثلاً[2].
انطلاقا من ذالك كلّه, في هذا الصدد نحاول ان نقدم لكم بيان بعض التراكيب اللغوية غامضة المعاني وطريقة حلّ غوامضها التي اقتبسها و اعتبرها الدكتور محمّد علي الخولي في كتابه المسمّى ﺑ " الدراسات اللغوية "
فمن صميم قلوبنا, نعترف بان هذا البحث لا يخلو من النقائص والاخطاء من شتى النواحي, فنرجو من سماحتكم الانتقادات البنّاءة, وان يكون هذا نافعا لي ولكم وللأخرين. والله نسأل العون السداد. أمين
الباب الثاني
البحث
1. المصدر المضاف :
اذا أضفنا مصدرا مشتقا من فعل متعدّ الى اسم لاحق فان هذا التركيب قد يحتمل أكثر من معنى واحد. وهذه بعض الامثلة :
- مساعدة الوالدين
ü قد يعني هذا التركيب مساعدة مقدّمة الى الوالدين
ü أو مساعدة مقدمة منهما
2. اعانة الدولة :
ü قد يعني هذا التركيب اعانة من الدولة,
ü أو اعانة الى الدولة
لتجنب الغموض في مثل هذه التراكيب يستحسن صياغة التركيب على النحو التالي :
1. مساعدة الوالدين للأبناء
- أو مساعدة الابناء للوالدين
2. اعانة الدولة للمواطنين
- أو اعانة المواطنين للدولة
في مثل هذه الصياغة ينتفي الغموض, لان التركيب الجديد يوضّح من قام بالفعل ومن وقع عليه الفعل.
2. التشبيه بعد النفي :
اذا وقع تشبيه بعد نفي فقد يفهم المعنى على ان المشبّه هو الحالة المنفية او غير المنفية. وهذه بعض الامثلة :
- لا يكتب الولد مثل أخيه
ü قد تعني أن الولد لا يكتب و أن أخاه لا يكتب ايضا
ü أو أن كليهما يكتبان ولكن الاخ أفضل في الكتابة
ü أو ان الولد لا يكتب ولكن أخاه يكتب
2. لم يأت مبكرا كعادته.
ü أن عادته القدوم المبكر ولكنه تأخر هذه المرّة على غير عادته,
ü أو أن عادته هي التأخر وتأخّر هذه المرّة جريا على عادنه
3. الجار والمجرور :
اذا احتار القارئ في تعليق فقد تفهم الجملة على غير ما قصد بها. وهذه بعض الامثلة :
- تأثير التمرين على الاختبار
ü التأثير على الاختبار,
ü أو التمرين على الاختبار
2. وجدت الرابطة لحماية الاطفال من جميع المذاهب
ü الاطفال من جميع المذاهب
ü أو الحماية من جميع المذاهب
ولدفع الالتباس, فقد يسعف السياق القارئ. واذا أردنا الوقاية من الالتباس, فتحسن اعادة الصياغة على النحو التالي مثلا :
ü للتمرين تأثير على الاختبار
ü للتمرين على الاختبار تأثير
ü وجدت الرابطة من أجل الاطفال على اختلاف مذاهبهم
ü وجدت الرابطة لتحمي الاطفال من المذاهب ( الدخيلة )
4. الموصوف والصفة المنسوبة :
أحيانا ينشأ الغموض عن موصوف صفته منسوبة. وهذه بعض الامثلة
- التعاون الجماعي
ü قد تعني تعاونا بين جماعة وجماعة,
ü أو تعاونا بين أفراد الجماعة الواحدة
2. اتجاهات مستقبلية :
ü قد تعني اتجاهات نحو المستقبل
ü أو اتجاهات تحدث في المستقبل
3. خدمات تربوية
ü قد تعني خدمات للتربية,
ü أو خدمات في التربية
4. الضريبة المدرسية
ü قد تعني ضريبة تدفعها المدرسة
ü أو ضريبة يدفعها الناس من أجل المدرسة
5. بحث اجتماعي :
ü قد تعني بحثا ضمن علم الاجتماع,
ü أو بحثا يتعلّق بالمجتمع
وهكذا نرى أن الصفة اذا كانت منسوبة فانها تسبب غموضا في المعنى في كثير من الحالات. وقد يزيل السياق هذا الغموض أحيانا, ولكن يتوجّب على الكاتب في كثير من الحالات أن يزيل الغموض بنفسه عن طريق تحديد ما يقصد بالمثال أو الشرح أو التعريف أو اعادة الصياغة بطريقة ينتفي معها الغموض.
5. العطف :
من أسباب غموض المعنى العطف, اذا يحتار القارئ في رد المعطوف على المعطوف عليه. وهذه بعض الامثلة :
1. ينتجون الصواريخ المضادة للطائرات والمصفحات :
ü قد تعني هذه الجملة أنهم ينتجون الصواريخ والمصفحات,
ü أو أنهم ينتجون نوعين من الصواريخ : نوعا مضادّا للطائرات ونوعا مضادّا للمصفحات.
اذا كان المعنى المقصود هو المعنى الاوّل فالافضل أن تكون الصياغة على النحو التالي :
ü ينتجون المصفحات والصواريخ المضادّة للطائرات.
واذا كان المعنى الثاني هو المقصود فالافضل أن تكون الصياغة على النحو التالي :
ü ينتجون الصواريخ المضادّة للطائرات وللمصفحات.
- الموجودات أو الأصول الحقيقية :
ü قد تعني أن ( الأصول ) معطوفة على (الموجودات), فتكون الموجودات هي الأصول وكلاهما حقيقي.
ü أو أن ( الأصول الحقيقية ) معطوفة على ( الموجودات ), فتكون الموجودات هي الأصول الحقيقية.
وينشأ الغموض هنا عن الحيرة في تحديد المعطوف : هل هو ( الأصول ) أو ( الأصول الحقيقية ) ؟ ولازالة الغموض, فان الصياغة التالية أفضل :
ü الموجودات ( أو الأصول ) الحقيقية.
ü الموجودات ( أو الأصول الحقيقية).
6. العطف ﺑ ( أو ) :
بالاضافة الى الغموض الذي قد ينجم عن العطف بسبب الحيرة في تحديد المعطوف أو المعطوف عليه, فان ( أو ) قد تفرض مشكلة خاصّة من حيث المعنى. اذ من المعروف أن ( أو ) تفيد التخيير, ولكن السؤال هو : هل المعطوف مرادف للمعطوف عليه في المعنى ولو اختلف عنه في الشكل أم مختلف عنه في المعنى والشكل معا ؟ وهذه بعض الأمثلة.
- ان النتيجة هي س أو ص :
ü قد تعني هذه الجملة أن النتيجة نفسها لها اسمان هما س و ص. اي أن النتيجة واحدة, يسمّيها البعض س ويسمّيها البعض الأخر ص.
ü أو أن النتيجة قد تكون س في بعض الحالات و ص في حالات أخرى, أي أنّ س و ص لا تشيران الى نفس الشيئ.
ولازالة الغموض في مثل هذه الجملة, من الأفضل أن تكون الصياغة كما يلي :
ü ان النتيجة هي س ( أو ص )
ü ان النتيجة هي امّا س وامّا ص.
7. المضاف والمضاف اليه والصفة :
قد ينشأ الغموض عن الحيرة في تحديد الموصوف الذي تصفه الصفة.
ويتخذ هذا التركيب الصيغة التالية :
مضاف + مضاف اليه + صفة معرفة. ففي مثل هذا التركيب, قد يقصد الكاتب أن تكون الصفة تابعة للمضاف, حيث انها معرفة ﺑ ( أل ) التعريف والمضاف معرّف باضافته الى معرفة. وقد يقصد الكاتب أن تكون الصفة تابعة للمضاف اليه, حيث أن كليهما معرفة أيضا.
وهذه بعض الأمثلة :
- بناء الصفّ الاجتماعي :
ü وقد تعني ان البناء هو الاجتماعي,
ü أو أن الصفّ هو الاجتماعي.
- اختبار الذكاء اللغوي :
ü قد تعني أن الاختبار هو اللغوي,
ü أو أن الذكاء هو اللغوي
ومن الممكن ازالة الغموض عن طريق الشكل أي اضافة حركات الاعراب. ومن المعروف في اللغة ان الصفة تلتصق بالموصوف. فاذا أريد أن تكون الصفة تابعة للمضاف وليس للمضاف اليه, فان الصيغ التالية تكون واضحة بلا غموض :
- البناء الاجتماعي للصفّ
- الاختبار اللغوي للذكاء.
الباب الثالث
الاختتام
وبعون الله قد تمّ هذا البحث فيحسن لنا ان نستخلص ما سبق بيانه ليمكننا الفهم بالسهولة : أن بعض التراكيب قد تكون منشأ غموض في المعنى لاحتمالها أكثر من معنى وهذه التراكيب هي :
1. المصدر المضاف
2. التشبيه بعد النفي
3. الجار والمجرور
4. الموصوف والصفة المنسوبة
5. العطف
6. العطف ﺑ ( أو )
7. المضاف والمضاف اليه والصفة.
ولهذا يلزم على من يكتب أن يتنبّه الى أمثال هذه التراكيب وما تسببه من ارباك للقارئ. فقد يفهم القارئ من التركيب غير ما قصد اليه الكاتب. ومن هنا يجب على الكاتب أن يزيل غموض التركيب بتعديل صياغته أو اضافة تعريف أو توضيح عن طريق السياق. ومن ناحية أخرى, على القارئ أن يتنبّه الى أمثال هذه التراكيب أيضا وأن يتحقق من المعنى الذي قصد اليه الكاتب, كيلا يفهم عكس ما أريد له أن يفهم. والسبيل الى هذا التحقّق يبدأ من معرفة ماهية التراكيب الغامضة أوّلا. ثمّ تتبع هذه المعرفة بتبصّر القارئ في النصّ الذي أمامه ليحدّد المعنى الذي أراده الكاتب ويستبعد المعنى الذي لم يرده. اذا كانت دقة الكاتب في غاية الانتباه وحذر القارئ في شدّة فلا تكون الميادين في سوء الافهام وسوء الفهم واسعة ومفتوحة. ان شاء الله
المراجع
- الخولي, محمّد علي, الدراسات اللغوية, الاردن, دار الفلاح للنشر والتوزيع, 1998
- سليمان، خالد: أنماط من الغموض في الشعر العربي الحر، جامعة اليرموك، اربد
1987
- ابن منظور: لسان العرب, مجهول اسنة و الناشر
ابن منظور: لسان العرب: مادة غمض[1]
سليمان، خالد: أنماط من الغموض في الشعر العربي الحر، جامعة اليرموك، اربد 1987، ص 9[2]
Tidak ada komentar:
Posting Komentar